ندرة من الناس من يظل متقداً إلى آخر رمق من حياته، وهؤلاء الصنف هم فرسان الهمم العالية الذين لا يرضون أبداً أن يكونوا في مؤخرة الركب..
وإذا كانت النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجسام
كما أنهم لايرضون بالدون أبداً
له همم لا منتهى لكبارها *** وهمته الصغرى أجل من الدهر
وهؤلاء النفر عندما يسقط أحدهم فإنما يسقط جسده فقط أما فكره فيظل متقداً لأنه عاش حياً، وسيظل كذلك حياً بما خلفه من آثار
وقيمة المرء ما قد كان يحسنه *** والجاهلون لأهل العلم أعداء
فقم بعلم ولا تطلب به بدلاً *** فالناس موتى وأهل العلم أحياء
أذكر هذه التقدمة بعد أن ودعَّنا في الأسابيع الماضية شيخين من مشايخنا في منطقة جازان أولهما شيخنا في الفقه والحديث الشيخ أحمد بن يحيى النجمي الذي نهلنا من علمه وتربينا على دروسه أثناء دراستنا في المعهد العلمي بصامطة إذ كان أستاذ الفقه والحديث بلا منازع وما كتابه تأسيس الأحكام إلا خير شاهد على ذلك. وبعد أن تقاعد ظل موئلاً لطلاب العلم والمستفتين من داخل المنطقة وخارجها عبر دروسه التي كان يعقدها في مسجد قريته النجامية إلى أن أصيب بمرض لازم فيه المستشفى ما يقارب عاما إلى أن انتقل إلى رحمة ربه.
والثاني شيخنا الفاضل محمد بن حسن الحازمي رحمه الله تعالى الذي عرفناه فارساً مقداماً، وعالماً عاملاً، ومصلحاً مؤثراً، ومحبوباً من كل أطياف المجتمع فالكل يحبه ويقدره ويعود إليه عند النزاع والخلاف ويعود وقد أشفى عليله وشفى غليله
إذا قالت حذام فصدقوها *** فإن القول ما قالت حذام
عرفته وأنا في المرحلة الثانوية أيام أن رشحت من قبل المعهد العلمي في صامطة للمشاركة في ملتقى طلابي تقيمه جامعة الإمام في منطقة نجران، وأول ما وصلنا إلى هناك إذا بهذا الشيخ الذي لا تفارق الابتسامة محياه يستقبل أبناءه الطلاب من جميع مناطق المملكة، ويتابع احتياجاتهم وطلباتهم بنفسه وموظفي المعهد حتى انتهى اللقاء.
توثقت العلاقة بعد ذلك مع الشيخ الفاضل عبر الملتقيات الطلابية، والمراكز الصيفية التي تقيمها الجامعة، وإدارات التربية والتعليم في المنطقة وخارجها،إذ كان الشيخ رحمه الله موجهاً ومحاضراً في أغلبها، ولما انتقل الشيخ إلى منطقة جازان في إدارة المعهد العلمي بها واصل عطاءه كما كان بل أشد، إذ لم يكتف بالعمل الرسمي بل تعداه ليكون عضواً فاعلاً في أغلب الجمعيات الخيرية الرسمية، ولما تقاعد عن العمل الرسمي لبلوغه السن القانوني،لم يقعد بل ظل واقفاً يعمل هنا وهناك في مجالات الخير المتاحة، فقد أصبح عضواً في مجلس المنطقة، ومشرفاً عاماً على هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية بمنطقة جازان وظل كذلك إلى أن أصيب بمرض ألزمه الفراش أكثر من سنتين ليلقى ربه عز وجل.
رحم الله علماءنا الفضلاء وأسكنهم فسيح جناته وخلفنا خيرا منهم، إنه جواد كريم.
|