|
بواسطة: فهد كنانه
|
|
1429/8/17 الموافق 2008/08/19 |
تشترك جُدة وجازان في مشتركات، وتختلفان في مفارقات، وكأنّهما أختان من أبٍ واحد وليس من أم! ومن أوجه الشّبه أنّ «جيم» جُدة أثارت خلافًا طويلاً ما بين الضّم والفتح والكسر، وإن كنّا نميل إلى «الضّم» على اعتبار علاقته بالمحبّين، ثمّ لأنّ الضّم رديف الرّفع «ومن منا لا يرغب أن يُرفع بالضّم» الذي هو فيتامين الـ “واو”؛ سواء كانت «واو» الجماعة أو «واو» علامة الدّهشة في الإنجليزية!
وفي الطرف الآخر تبدو جازان مثيرة للخلاف حول نسبها اللّفظي، وإن كان قد حسم بمرسوم ملكي يلزمها بـ “جازان” وليس جيزان! وما ذاك إلا بجهود أهل اللّغة المخلصين من أمثال العلامتين أحمد الغزاوي وعبدالقدوس الأنصاري، فقد تغزّل الأوّل بالثّاني حيث يقول الغزاوي في أبي نبيه عبدالقدوس الأنصاري في ذلك: «كلمة واحدة وعلى الأصح،، ضمّة وثابتة! وهي «جيم جدة.. وإنّها بالضمّ حقًّا وصدقا».. وأحسن الله إلى أبي نبيه بما نبّه وأرشد.. كما فعل من قبل في ياء «جيزان»، وأنّها بالألف «جازان» لا بالياء! ولا محل للجدال فيما نصّ عليه فحول الرّجال.. وحملة العلم في مختلف الأزمنة والأمكنة والأجيال»!
ومن أوجه التّشابه أنّ الجيم تتصدّر اسمي هاتين المدينتين، كما أنّ البحر الأحمر يحتضنهما، فهما أختان في الحرف والبحر والسّاحل! كما أنّ المدينتين كانتا واستمرتا منارتين للعلم، ومشعل ضوء ثقافي عبر التاريخ، والجغرافيا، وألهمتا أهليهما ومن استوطنهما «لغة النّوارس» والشعر والسواحل المخضّبة باللّؤلؤ والسّماحة المرجانيّة التي تطفح على الوجوه السواحليّة!
ولكن ماذا عن الاختلاف، إنّه يبدو في وجوه كثيرة، فهذه جُدة أضحت قبلة القاصدين، بما في ذلك أهل جازان، فيما نرى أنّ جازان نسيها الزّمان، وانقلب عليها المكان، فغادر الاهتمام، الأمر الذي جعل أحد الزّائرين لها من لبنان، يزعم أن وجه الأرض لن يكون سوى لبنان في حين أنّ قاع الأرض لن يكون غير جازان!
إنّ التركيز على جُدة أضرّ بها من حيث أراد المريدون نفعها، فقد أصبحت وجهة القاصدين فازدحمت وشاخت واشتعل طرفها شيبًا وعجزًا وشيخوخة، في حين أنّ جازان انبثقت الآن بوصفها أرضًا بكرًا عوانًا لا شيّة فيها، تنتظر المستثمرين والقاصدين.
وفي الماء، يتقاتل الناس في جدة «على بقايا وايت»، حيث لا يعلم كلّ أناس مشربهم، وغابت عنها الأمطار والسّحب الثّقال، في حين تظهر جازان «رويانة» العود والأرض، حافلة بالمطر، حيث لم ينقطع المطر لسنوات حتى أنّ أهل جازان بدؤوا يخافون «هطوله»!
ترى ماذا لو تبادلت تلك المدينتان العلاقات الثنائية، ولا أعني بها تلك العلاقات التي ترد في الأخبار بين هذا البلد وذاك، بل أعني أن تعطي جازان جُدة من شبابها وحيويتها ومائها، واستعدادها، على أن تعطي جُدة جازان من بعدها واستثماراتها وقلّة مطرها وتوسّعها وامتدادها!
أحمد عبدالرحمن العرفج
|